محمد جمال الدين القاسمي

389

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

للصيرورة والعاقبة . أي فيصير ، إن كان عالما ، جاهلا . فيريكم من قدرته أنه كما قدر على نقله من العلم إلى الجهل ، أنه قادر على إحيائه بعد إماتته . قال في ( العناية ) : وكونه غير عالم بعد علمه ، كناية عن النسيان . لأن الناسي يعلم الشيء ثم ينساه ، فلا يعلم بعد ما علم . أو العلم بمعنى الإدراك والتعقل ، والمعنى لا يترقى في إدراك عقله وفهمه ؛ لأن الشاب في الترقي . والشيخ في التوقف والنقصان . وفي ( الكشاف ) : ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولية في النسيان . وأن يعلم شيئا ثم يسرع في نسيانه ، فلا يعلمه إن سئل عنه . وقيل لئلا يعقل بعد عقله الأول شيئا . وقيل لئلا يعلم زيادة علم على علمه الأول . و ( شيئا ) منصوب على المصدرية أو المفعولية . وجوز فيه التنازع بين ( يعلم ) و ( علم ) وكون مفعول ( علم ) محذوفا لقصد العموم . أي لا يعلم شيئا ما بعد علم أشياء كثيرة . إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ، وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ أي : جعلكم متفاوتين فيه ، فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم ، وهم بشر مثلكم فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا أي في الرزق ، وهم الملاك بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ أي بمعطيهم إياه فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أي فيستووا مع عبيدهم في الرزق . والآية مثل ، ضرب للذين جعلوا له تعالى شركاء . أي أنتم لا تسوون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم . ولا تجعلونهم فيه شركاء . ولا ترضون ذلك لأنفسكم . فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي شركاء في الإلهية والتعظيم ؟ كما قال في الأخرى : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ، هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [ الروم : 28 ] ، أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ أي فيشركون معه غيره وهو المنعم عليهم . أو حيث أنكروا أمثال هذه الحجج البالغة بعد ما أنعم بها عليهم . فإنه لا نعمة على العالم أجل من إقامة الحجج وإيضاح السبل بإرسال الرسل . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 72 إلى 74 ] وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ( 72 ) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ ( 73 ) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 74 )